Powered By Blogger

الخميس، يناير 13، 2011

زوال الخط الأحمر عن الاقتراض الخارجي

زوال الخط الأحمر عن الاقتراض الخارجي...
إذا استدانت سورية 80 مليار دولار فستدفع سنوياً نصف ميزانيتها كفوائد
11-01-2011
بقلم: نادر الشيخ الغنيمي




يرتفع الجدل هذه الأيام في سورية على مستوى المسؤولين الاقتصاديين وعلى مستوى المحلّلين الاقتصاديين، للإجابة عن هذا السؤال: هل نقترض أم لا؟
مبدئياً لم يعد الاقتراض الخارجي خطاً أحمر كما تعوّدنا من قبل، بل أصبح البنك الدولي يعرض مقترحاته ومشاريعه والمؤسسات المالية الدولية تعرض كذلك خدماتها بعد أن ظلت محظورة لسنوات طوال.
ويتصاعد الجدل في ظل توفّر التشريع الذي يجيز للحكومة طرح سندات الخزينة للبيع وهو ما تنتظره المصارف بفارغ الصبر.
 وفي الوقت نفسه، فإنّ المشاريع الضخمة المقبلة للتشاركية PPP بين الحكومة والقطاع الخاص تعتبر منفذاً للتشاركية، حيث يقول القطاع الخاص إنّه قادر على التمويل أو أنّه على الأقل سيتكفّل به.

على طريق الأزمة
في مقالة سابقة عنونتها الاقتصادي بعنوان (سورية نحو طريق الأزمة)، قلنا إنه بينما تحاول الكثير من الدول الهروب من قلب عاصفة الأزمة المالية التي أنهكت اقتصادياتها، والتي شكّك الكثير من الاقتصاديين بجدوى الحلول التي كانت تقترحها رأسمالية العولمة، نجد أن هناك من يريد أن يزجّ سورية في قلب هذه العاصفة دون أن يعتبر بما حدث للبلدان الأخرى.
وهذا ينطبق على الجدل القائم حالياً في أوساط الحكومة والاقتصاديين في جدوى الاقتراض من أجل بناء بنية تحتية متكاملة تدفع الاقتصاد السوري نحو الأمام.
حتى فترة وجيزة كانت الفكرة السائدة عند الاقتصاديين، أنه لا مانع أن تقترض الحكومات بشكل مؤقت لتستطيع أن تستثمر في اقتصاد دولها، ومنذ البداية كان الاقتصاديون يفرّقون بين من يقترض للاستثمار في مشاريع حيوية ومن يقترض لكي يغطي عجز ميزانية تصرف معظمها على تشغيل حكومات كبيرة تآكلت من الداخل بفعل الفساد وعدم الشفافية.
إن من يشجّع الحكومات التي لم تثبت مستوى جيداً من الشفافية أو حسن الأداء، والتي لم تتمكن من تحقيق وعودها بإصلاح اقتصادي وإدخال معايير الشفافية إلى مجال عملها، أن تقترض كمن يكافئ محاسباً لم يثبت جدارة في عمله بزيادة حجم المسؤوليات التي كانت على عاتقه وجعله مسؤولاً عن أموال إضافية. فليس العيب في قلة الموارد ولكن العيب في طريقة إدارة تلك الموارد.

من جانبين
وهنا سنناقش أمر الاستدانة الحكومية من جانبين جانب أخلاقي وجانب اقتصادي. أما الجانب الأخلاقي فيبدأ بالتساؤل عن فشل التنمية العربية، هل هو عائد إلى قلة الموارد أم إلى طريقة إدارة تلك الموارد. فإذا كانت في طريقة الأداء، فماذا سيضيف الاقتراض إلى هذا الأمر سوى كثرة الموارد التي تهدر. أما السؤال الأخلاقي الثاني، فهو هل يحق لنا تكبيل الأجيال القادمة بديون ليس لهم أي ذنب فيها؟ هل يجوز رهن المستقبل من أجل الحاضر؟ ألا يكفي أننا رحّلنا لهم مشكلات لم نستطع حلّها حتى الآن. ولا يخفى على أحد أن الكثير من الحكومات العربية فشلت في أن تشمل التنمية جميع طبقات الشعب، لذلك نجد أن المستفيدين هم شرائح قليلة، فهل من العدل أن يتم تحسين أوضاع البعض بينما يلقى عبء الدين على كاهل جميع المواطنين بالتساوي. لذلك ليس مستغرباً أن نجد أن الدين العام في الدول يتم قياسه نسبة إلى عدد المواطنين لأنهم يتحملون مسؤولية هذا الدين بشكل جماعي. وأخيراً ماذا حل بالمثل الشامي العتيق الذي ينم عن خبرة متراكمة (على قد لحافك مد رجليك).

هل نجحت التجربة في لبنان لنطبقها عندنا؟
من يسمع طريقة تبرير الفريق الداعي إلى الاقتراض لبناء بنية تحتية، لا يسعه إلا أن يقول لقد سمعنا هذا من قبل (Deja vu) ألا يذكّرنا هذا بنهج الحكومات المتعاقبة في لبنان، والتي أطلق على نهجها الحريرية الاقتصادية؟ هل استمع الذين يتحمسون إلى فكرة الاقتراض إلى آراء المواطن اللبناني الذي لفحه هذا النهج بناره؟

الاقتراض الداخلي
والآن لنناقش الأمر من الناحية الاقتصادية, ونلحظ هنا أن هناك دعوتين الدعوة الأولى أن يتم الاقتراض من الداخل، والدعوة الثانية أن يتم الاقتراض من الأسواق العالمية. وإذا خيّر أي شخص بين أمرين مرّين فإنه سيختار الأقل مرارة، وهنا لا ريب أن الاقتراض الداخلي أقل مجازفة من الاقتراض الخارجي. والسبب بسيط ويعود إلى أنه في حال الاقتراض من الداخل فسيتم بالليرة السورية والدولة سيدة على عملتها، فإذا عجزت عن أداء ديونها فستلجأ إلى ما اشتهر على تسميته لتجميله بـ Quantative Easing وهو في حقيقته طبع عملة تماماً كما تفعل أميركا اليوم، ومن يقرأ التاريخ يجد أن أميركا كانت تنتقد انتقادات لاذعة كل حكومة تلجأ إلى هذا الأسلوب. ولكن على ما يبدو أن ازدواج المعايير انتقل إلى المجال الاقتصادي. ولكن هناك شرط يجب أن يتحقق وهو، ألا تلجأ الحكومة التي تعتمد الاقتراض الداخلي إلى تثبيت سعر صرف عملتها مقابل الدولار وغيره من العملات، وإلا فإذا كانت الفوائد التي ستعطيها أعلى من السوق العالمي وكانت عملتها مثبتة بشكل اصطناعي، فإن هذا سيؤدي إلى أن أصحاب الأموال سيقترضون من الخارج ويقرضون الحكومة لجني فرق ثمن الفوائد دون أي مجازفة. وهذا ما حصل في لبنان وهذا ما أثقل كاهل الاقتصاد والمواطن اللبناني.
إضافة لذلك، فإن اللجوء إلى الاقتراض الداخلي يخفف من حدة تراكم الأموال في المصارف دون أن تجد لها منفذاً للإقراض بسبب قصور التشريعات وعدم ملاءمة المناخ الاستثماري للمجازفة في التوسع في إقراض الناس. ولكن للاقتراض الداخلي محذور كبير وهو أن تتكاسل البنوك عن إقراض الأشخاص طالما هناك منفذ حكومي يأكل الأخضر واليابس من القروض.

الاقتراض الخارجي
أما الاقتراض الخارجي فله محاذير عديدة أولها أن الاقتراض يتم بعملة لا تملك الدولة أي تأثير عليها. والغريب أنّه بينما تلجأ أعتى الدول الرأسمالية إلى التأميم أو ما يشابهه بسبب الانهيارات الاقتصادية، نسمع أن هذا البعض يدعو إلى الخصخصة، وبينما لا تخلو أي نشرة أخبار من ذكر أزمة الديون السيادية نجد أن البعض يطرح حلولاً يصوّرها بالسهلة وتدعو إلى الاقتراض الخارجي. هل غفل هذا الفريق أن دولاً مثل اليونان وأيرلندا وغيرها من الدول الأوروبية، تعجز عن إيجاد من يقرضها. هل يظن هذا الفريق أن عروض الإقراض الخارجي ستنهال عليه من كل صوب. ولا أدل على بعد هذا البعض عن الواقع، إلا أن نذكر المفارقة الغريبة بأنه في اليوم ذاته الذي سجّل السكر رقماً قياسياً جديداً وفي ذروة ارتفاع أسعاره يصدر عن هذا الفريق قراراً سيؤدي إلى رفع كلفة السكر على المواطن 5%.
ومن محاذير القروض الخارجية أنها  تنتقص من سيادة الدولة، والمفارقة أنها تسمى الديون السيادية، وهي في الحقيقة لا سيادية Sovereign Debts. ونقول لمن لا يدرك خطورة تأثير الديون الخارجية على سيادة الدول، أنه في عز أزمة اليونان ظهر من يدعو إلى أن تبيع اليونان إحدى جزرها للتخفيف من ديونها. فإذا تجرأ البعض على دعوة دولة أوروبية مثل اليونان ذات الامتدادات العريقة في التاريخ أن تبيع إحدى جزرها، فماذا سيكون الثمن حين تعجز الدول عن أداء ديونها. هل يخفى على أحد أن شطب ديون لبنان يساوم عليه البعض مقابل توطين الفلسطينيين.
لماذا لا يلجأ من يفكر بحل الاستدانة الخارجية إلى تعديلات تشريعية تريح المستثمر، بشكل يضمن حقوق البلد، ويسمح بأن يدخل الاستثمار الخارجي بشكل شريك لا يغبن البلد بدلاً من حلول الاقتراض التي ستكبّل البلد. على الأقل سيحرص الشريك على مصلحته ويكون أي مشروع تحت تدقيق وتمحيص من الشريك الذي سيجازف في الكلفة.


• تصنيف سورية

وأخيراً، فإنه لا يوجد أقوى من الأرقام لترسيخ أي فكرة، ولنبدأ بتصنيف سورية من حيث نسبة القرض العام على الناتج المحلي.
تقع سورية في مرتبة متميزة من حيث الترتيب العالمي بنسبة الدين على الناتج المحلي فهي تحتل المرتبة 89 وتبلغ نسبة ديونها على الناتج المحلي 28.1%، أما لبنان الذي طبّق تجربة الاستدانة لبناء البنية التحتية، فيقع في المرتبة الرابعة وتبلغ نسبة الدين على الناتج المحلي 154.8% وتحتل زيمبابوي الدولة الأولى في السوء، إذ تصل نسبة الديون على الناتج المحلي 282%.
ولكن يبدو أن من المسؤولين الاقتصاديين من لم يعجبه هذا التصنيف، خاصة أننا قرأنا في إحدى الصحف أن هناك من يطرح فكرة اقتراض ما يعادل 80 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية في سورية. هل يعرف من يطرح مثل هذه الأرقام كلفة هذا الدين ؟ ونقصد بها الكلفة الاقتصادية قبل السياسية، هذا يعني أن على سورية أن تخصّص كل عام 4 مليارات دولار لسداد فوائد الدين، وهذا ما يعادل نحو 50% من الميزانية الحالية.
 أما من حيث التصنيف فهذا يعني أن سورية ستتأخر على لبنان وتأتي بالمرتبة الثانية بعد زيمبابوي، إذ ستصل نسبة الدين على الناتج المحلي 185%. أي أنّ من يفكّر بهذه الطريقة يريد أن يهبط أداء سورية 87 رتبة.
فأزمة اليونان تكمن بأن نسبة ديونها على ناتجها المحلي بلغت حداً يعتبره الاقتصاديون غير قابل للحل وهو 115%، بينما من يطرح هذه الأرقام يريد أن تكبل سورية بديون تعادل 155 % من نسبة ديون اليونان. وهذا يعني أن بمجرد تراكم الديون سترتفع نسبة الفوائد التي يجب على سورية أن تدفعها، فهي ستصبح في وضع ائتمان لا تحسد عليه. فالأولى لهذا الفريق أن يضبط النفقات ويرشد المصروفات ويدخل الشفافية إلى نهجه، وإذا فشلت الخطط المتتالية لتحقيق التنمية فهذا لا يعني قلة الموارد بل غياب حسن استخدامها، ويجب أن نفكّر في أن الخطأ يمكن أن يكون في طريقة أدائنا بدلاً من أن نطالب بزيادة الموارد، تماماً كالمراهن الذي يدخل الكازينو فيخسر، فيضع اللوم على أنه لو كان عنده مبلغاً إضافياً لعوّض خسارته دون أن يقرّ بخطئه.

ليست هناك تعليقات: