Powered By Blogger
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال في الاقتصاد السوري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال في الاقتصاد السوري. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، يناير 11، 2011

الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في سورية ج1

الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في سورية

 الإنتاج الزراعي والمحاصيل الإستراتيجية : إنّ انخفاض الإنتاج الزراعي يكون عادةً نتيجة لعدة أسباب منها : ارتفاع الضرائب على الملكيات الزراعية ، أو الانهيار في أسعار المحاصيل الزراعية ، بالإضافة إلى عدم توفـّر كميات المياه اللازمة للسقي والريّ ، كما يؤدّي الإهمال في إدارة الأراضي ، والزيادة الكبيرة في أسعار الأسمدة والأدوية ، والإنهاك المتصاعد للمزارعين والفلاحين ، إلى تدمير الاقتصاد الزراعي في البلاد. فالزراعة هي القطاع الاقتصادي الأضعف في النظام الاقتصادي في أي بلد من بلدان العالم ، فمحصول زراعي، واحد، رديء ، سـيّء ، يؤدّي بالتأكيد إلى أزمة اقتصادية حادة تستمر إلى عدة سنوات .

كما أنّ الإنتاجية في الأراضي الفردية ذات المساحات الصغيرة تبقى أعلى منها في الأراضي الجماعية ذات المساحات الكبيرة ، فالأراضي الصغيرة تنتج المواسم التكميلية ، مثل الفواكه والخضار ، وتهتم بالثروة الحيوانية ، بينما المزارع ذات المساحات الواسعة ، التي تحتاج إلى عمل جماعي ، تخصّص غالباً لزراعة المحاصيل الإستراتيجية للدولة ، مثل الحبوب والقطن والزيتون والشوندر، وتحتاج مثل هذه المزارع إلى دعمها بالعمل الميكانيكي المتطوّر ، بدل الجهد البشري المتواضع ، وكذلك تحتاج إلى دعمها بالأسمدة والأدوية ومياه الري ، بأقل التكاليف المالية .  

إنّ أهم المحاصيل الإستراتيجية في سوريا هي الحبوب والقطن والزيتون ، والشوندر ، بالإضافة إلى الثروة الحيوانية ، وهذه المحاصيل تتميّز بوفرتها وجودة نوعيتها ومواصفاتها المنافسة على المستوى العالمي ، فهذه المنتجات يجب تخزينها والاستفادة من فائض الإنتاج في المحصول السنوي كاحتياطي استراتيجي ، يخزّن لعدة سنوات قادمة ، وبالتالي فهي محاصيل يجب أن تدعم الأمن الغذائي والصناعي للدولة خلال عقد كامل من الزمن، على الأقل ، وبالتالي لا يجوز لأي حكومة التفريط أو الإفراط بالمخزون الاستراتيجي للدولة ، مهما كانت الأسباب والذرائع .

إنّ المدة الزمنية التي يجب أن تحتفظ بها الدولة بالمحاصيل الإستراتيجية، كالحبوب والقطن والزيت ،والثروة الحيوانية من الماشية والدواجن ، وغيرها ، كمخزون استراتيجي احتياطي ، يجب أن لا تقل عن سبع سنوات ، أو إلى مدة لا تقل عن دورة مناخية كاملة ، على أن يبقى المخزون مستقر أو في زيادة مستمرة كل عام . فالمناخ في منطقتنا العربية غير مستقر، وبالتالي الإنتاج سينخفض طالما أنّ كميات الأمطار لا تكفي خلال سنوات الجفاف . فمن الخطأ الفاحش ، المدمّر لاقتصادنا ، أن تجعل أي حكومة مخزوناتها الاحتياطية من المواد الغذائية الاستراتيجية  ، لا تكفيها أكثر من عام واحد أو عامين فقط ، وهذا ما يُسمّى بالانتحار الاقتصادي .

الإنتاج الزراعي والمحاصيل الزراعية التكميلية : والمحاصيل الزراعية التكميلية، هي محاصيل داعمة للاقتصاد الوطني ، لكن لا يمكن تخزينها لمدة طويلة من الزمن ، وغالباً لا تتجاوز مدة تخزينها أكثر من ستة أشهر ، وأهم هذه المحاصيل هي الفواكه والخضار ، نعم هذه المحاصيل تكميلية لا يحتاجها المواطن في قوته اليومي ، لكنها غالباً ما تدعم الحالة الصحية للإنسان ، وتجعله بقوة ونشاط دائمين . كما تبرز أهمية مثل هذه المحاصيل في الاقتصاد الوطني فهي قادرة على استجرار النقد الأجنبي من الخارج ، بشكل مستمر وملحوظ ، من خلال تصديرها إلى باقي دول العالم ، فأغلب دول العالم لا يمكنها إنتاج مثل هذه المحاصيل ، بسبب حاجتها إلى توفّر مياه الري والسقي بكميات كبيرة ، وكذلك تحتاج إلى المناخ الجوي ، والبيئة الجغرافية ، المناسبة ، وإلى الأيدي العاملة الخبيرة بمثل هذا المجال في الزراعة .

إنّ دعم الملكيات الصغيرة ، التي تخصّص غالباً لزراعة المحاصيل التكميلية ، بالمياه الوفيرة ، والأسمدة والأدوية بأسعار منخفضة ، يزيد من إنتاجها بشكل طردي ملحوظ ، فأغلب أشجار الفواكه تعمّر لعشرات السنين ، إذن فهي وسيلة إنتاج معمّرة ،إنتاجها يدوم لمدة طويلة جداً من الزمن ، وبالتالي سيتم دعم الاقتصاد الوطني للدولة ، بشكل مطّرد ، من النقد الأجنبي ، العائد من صادرات الإنتاج الزراعي التكميلي ، الذي تفتقده الكثير من الدول ، العربية والإفريقية والآسيوية.

الإنتاج الحيواني والثروة الحيوانية في سورية : لا شكّ أنّ معظم أنواع الماشية والدواجن المتوفرة في سوريا هي من الأنواع والسلالات الجيدة جداً ، وهي ثروة وطنية استمرت منذ آلاف السنين ، وأعتمد عليها المواطن السوري ، اقتصادياً وغذائياً ، خلال تلك المدة الطويلة ، وهي ستبقى من أهم الركائز الأساسية للأمن الغذائي والاقتصادي للمواطن السوري ، ولا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال ، لكن هذه الثروة الحيوانية الوطنية بحاجة إلى دعم كبير لتلبية جميع متطلباتها ، فهي تحتاج إلى الغذاء ومياه السقي ، والرعاية الصحية المستمرة ، واستمرار الطلب عليها في الأسواق . واستمرار الثروة النباتية وازدهارها يؤدّي حتماً إلى استمرار وازدهار الثروة الحيوانية ، ولا يمكن أبداً فك الارتباط القائم في العلاقة المتبادلة بينهما ، ففقدان إحداها يؤدّي حتماً إلى فقدان الأخرى خلال مدة زمنية وجيزة . فالإنسان بحاجة إلى ثروة حيوانية تدعم غذائه ، والأرض بحاجة إلى ثروة حيوانية لتخديمها ، خاصة في دول العالم الأشد فقراً ، وكذلك الثروة الحيوانية بحاجة إلى الإنسان ليرعاها ، وأراضي زراعية تمنحها الغذاء المناسب والوافر .

إنّ وطننا السوري فقـدَ خلال الأعوام القليلة الماضية نسبة كبيرة من ثروته الحيوانية ، من ماشية ودواجن ، بسبب عدم توفـّر الأعلاف إلا بأسعار مرتفعة جداً، وقلة الأمطار الهاطلة في المواسم، وزيادة الطلب على التصدير، العشوائي ، والارتجالي ، إلى الدول المجاورة . إذاً فالثروة الحيوانية في سوريا واحدة من أهم دعائم الاقتصاد الزراعي الوطني ، وهي في خطر كبير ، ويجب أن تعامل معاملة المخزونات الإستراتيجية الزراعية ، بالمحافظة عليها بكل الوسائل ، لمدة لا تقل عن  سبعة سنوات قادمة ، ودعمها بكل الإمكانيات المتوفـّرة ، من أجل الحفاظ على أمننا الغذائي .

الإنتاج الزراعي الثانوي : وهو عبارة عن المحاصيل الزراعية العشبية (الحشائش والأعشاب الطبية المنتشرة في سوريا بكثافة) ، ولهذه المحاصيل أهمية كبيرة ، فهي تدعم الوضع الصحي للمواطن ، لأنها توفّر الكثير من الفيتامينات ، والكثير من المواد الطبية الطبيعية ، فهي ثروة وطنية يمكن استغلالها في الداخل ، أو تصدير الكثير منها إلى خارج البلد ، وسوريا بلدٌ غنية جداً بمثل هذه الأعشاب ، لكن هذه المحاصيل بحاجة إلى دعم حكومي حقيقي، واهتمام كبير وتشجيع ، للعمل على جمعها وتصنيعها وتعليبها، لسدّ حاجة المواطن السوري منها ، وتصدير الفائض للخارج ، بغية استجرار النقد الأجنبي من الدول الأخرى .

العلاقة بين الصناعة الوطنية والإنتاج الزراعي : إن وطننا العربي على العموم ،  ومنها بلدنا الحبيب سوريا ، وطن زراعي بامتياز، وتجاري بتفوّق ، لكن حتى الآن ليس وطن صناعي أبداً. وهذا بسبب الظروف السياسية والعسكرية السابقة التي مرّ بها وطننا العربي ، خلال القرون الماضية ، من احتلال عسكري ، وهيمنة استعمارية غربية ، فرضت علينا مناهج وأساليب تعليم متخلـّفة ، في كل مراحل التعليم ، ولا زالت مستمرة ليومنا الحاضر، جعلتنا أمة جاهلة متخلـّفة ، فقيرة مادياً وعلمياً ، وخاصة في مجال التصنيع ، السلمي والحربي ، البدائي والتقني . فالدول العربية دول متخلفة صناعياً عن الدول الأوروبية والغربية ، عشرات السنين ، ولم يتواجد حتى الآن نوايا حقيقية ، في معظم الدول العربية ، للنهوض بالقطاع الصناعي إلى المستويات العلمية والتقنية المطلوبة ، فقد آثرت معظم الحكومات العربية ، منذ استقلالها ، استيراد بضائعها الاستهلاكية جاهزة ً، للاستهلاك المحلي ، من دون تكليف نفسها عناءً أو تعباً لتصنيعها . وإنّ معظم الصناعات المتواضعة القائمة في بلادنا العربية ، تعتمد بشكل أو بآخر على الإنتاج الزراعي أو الحيواني المتوفّر في بلادنا ، فهي إما تعتمد على الإنتاج الزراعي ، كمادة أولية يتمّ تحويلها أو تخزينها أو تعليبها بأساليب متعددة ، ومن ثـَمّ تصديرها إلى دول عربية مجاورة أو استهلاكها في السوق المحلية ، أو تجعل من صناعاتها التحويلية التجميعية مادة للاستهلاك الزراعي أو أدوات بيد طبقة العمال من الفلاحين والمزارعين ، فمثلاً صناعة تعبئة الأدوية الزراعية ، والأنابيب الزراعية ، والصناديق البلاستيكية ، هي للاستهلاك الزراعي ، وصناعة الأسمدة الكيميائية إنما هي مادة ووسيلة هامّة في الإنتاج الزراعي ، وصناعة العدد المعدنية وتجميع الجرارات ، إنّما هي لخدمة القطاع الزراعي ، وصناعة التعليب والتغليف تعتمد على الزراعة والثروة الحيوانية ، وغيرها الكثير من الصناعات التي تستهدف قطاع الزراعة أو العاملين في هذا القطاع ، لخدمة الإنتاج الزراعي ، أو استغلال منتجاته . وبالتالي فإن العلاقة بين صناعتنا الوطنية المتواضعة ، القائمة في سوريا، وبين الإنتاج الزراعي هي علاقة قوية ووثيقة ، باتجاه واحد ، فقطاع زراعي جيد قوي يؤدّي إلى قطاع صناعي ونشاط صناعي قوي ، ومستقر ، والعلاقة العكسية لا تتحقق لبدائية صناعتنا وتواضعها ، بينما نلاحظ أنّ العلاقة بين هذين القطاعين الاقتصاديين في الدول المتقدّمة علاقة متبادلة ، فكل قطاع يخدم الآخر ، ويساعد على تطويره بقوة وسرعة ، بشكل مطرد متبادل ، ملحوظ . فتدمير الإنتاج الزراعي سيضرّ حتماً بالصناعات البدائية المتواضعة المتوفّرة لدينا ، وإفقار المزارع والفلاح سيؤدّي حتماً إلى انهيار القطاع الصناعي المعتمد أصلاً في تصدير منتجاته على الطبقة الواسعة من المزارعين والفلاحين ، إما بتصنيع أدواتهم البدائية وحاجياتهم وتوفيرها لهم ، أو بتصنيع المنتجات الزراعية وتحويلها وتصريفها في الأسواق المحلية أو الخارجية .

العلاقة بين التجارة الوطنية والإنتاج الزراعي : لا أحد يشكّ بأنّ العلاقة بين الإنتاج الزراعي والمحاصيل الزراعية بكلّ أنواعها وبين القطاع التجاري هي علاقة حقيقية وثيقة لا يمكن أن تنفك ، وهي علاقة تبادلية مطّردة ، فوجود أحدهما يدعم وجود الآخر، فلا تجارة في بلدنا هذا من غير إنتاج زراعي وفير ، ولا إنتاج زراعي جيد من غير تجارة مزدهرة ، تؤمّن تصريف الإنتاج في الداخل أو الخارج . فنحن نعلم أنّ إنتاج زراعي متدهور يعني بكل تأكيد أنّ التجارة الداخلية أولاً ، والخارجية ثانياً ، ستفقد الكثير من نشاطها وحيويتها . وكذلك قوانين تجارية سيئة ، غير مدروسة ، أو غير مخططة بشكل ممتاز على المدى البعيد ، ستؤدّي إلى انهيار في النشاط الاقتصادي التجاري ، وبالتالي تراجع في الإنتاج الزراعي : نتيجة لتراكم المحاصيل الزراعية عند المنتجين، ونتيجة لزيادة العرض وانخفاض الطلب في السوق المحلية ، وبالتالي انهيار الأسعار. فالضعف في تصريف الفائض في المحاصيل الزراعية وانهيار الأسعار في الأسواق الداخلية يؤدّي إلى قلة الموارد المالية لطبقة المزارعين والفلاحين، وبالتالي إفقار أو إفلاس المُنتِـج الزراعي – الفلاح والمزارع .

لذلك من أجل زيادة الإنتاج الزراعي لا بدَّ من وجود قوانين اقتصادية تجارية مرنة بمستوى عالٍ ، وتخطيط دقيق جداً ، يغطي فترات زمنية محدودة ، مع مراقبة النتائج والأسواق بشكل آني ، وتعديل القوانين والقرارات بما يلائم الوضع الآني للسوق . وهذه القوانين والقرارات والخطط يجب أن تهتم بالعلاقة المتبادلة بين الإنتاج الزراعي السنوي والعملية التجارية الداخلية أو الخارجية ، على أن تكون القوانين الصادرة متوازنة ومترابطة ، تحافظ على مصالح طبقة المنتجين ، من المزارعين والفلاحين ، ومصالح طبقة التجار الوطنيين ، وتـُراعى فيها حاجة السوق الداخلية والخارجية من المواد الزراعية ، وحاجة الدولة من الموارد النقدية الأجنبية ، وحاجة الدولة من المخزونات الإستراتيجية الاحتياطية ، الزراعية والحيوانية ، دون تفريط أو إفراط باستهلاك المخزونات الاحتياطية .

                                                                                                الأخ المهندس أحمد راتب التيناوي              

                                                                                            عضو المكتب السياسي - المكتب الإعلامي

                                                                                                               

منقول عن موقع حزب الإصلاح الديمقراطي الوحدوي في سورية

http:/islah-party.org