Powered By Blogger
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سياسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سياسية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، مايو 16، 2011

نجحت العملية لكن المريض مات

 " نجحت العملية لكنّ المريض قـد مات  "

عندما قرأتُ منذ عقدين من الزمن إحدى الروايات العربية المصرية التي كـُتبت في النصف الأول من القرن الماضي كنت أبتسم أحياناً وأضحك أحياناً أخرى من جهل وتخلـّف المريض الصعيدي وأهله الغلابة ومن استغلال ذلك الطبيب المصري لأهل المريض في إحدى مشافي المدينة " القاهرة " المحشوّة بالمرضى المكدّسين على الأسرّة ، من غير توّفر علاج حقيقي لأسهل الحالات المتفشية عندهم .
تلك المشافي المكدّسة بالموظفين من أطباء وممرضين وإداريين ، دون نتيجة عملية وفعلية تـُذكر ، ودون أي نجاحات علمية يفتخر بها الفريق الطبي والإداري المسيطر على المستشفى ، بل كانوا مجرّد موظفين يتقاضون رواتبهم آخر كل شهر ثمناً لوقتهم الضائع ، ويستغلون مرضاهم ، الجهلاء بأبسط الأمور ، من غير رحمة أو شفقة أو إنسانية ، والفريق بمجموعه يعمل من أجل استغلال ذلك المواطن البسيط المسكين الجاهل الفقير والمُعدم .
وكنا نستغرب مدى حماقة ذلك المواطن البريء وكيف يُخرج ما في جيوبه مصدّقاً طبيبه صاحب الشهادة العالية والاختصاص الطبي الخارق التي جاء به واستورده من إحدى الجامعات الأوروبية أو الأمريكية ليعالج بها المواطنين من أهل بلده ، وليـُنهي مشاكلهم الصحية المتفشّية . فقد وضعوا له التشخيص وهيّاؤوا له الحلول ، كلّ  الحلول السخيفة الممكنة والغير ممكنة ، وأفهموه : بأنّ الشفاء شبه مستحيل إلا بالرجوع إليهم لاستشارتهم ، وأنّ إجراء أي عمل جراحي للمواطن المغلوب على أمره أمر ليس بتلك السهولة ، إلا في حال وجود أحد من عناصرهم ضمن الفريق الجراحي .
وبغضّ النظر عن النتائج ، ليست المشكلة هي نجاح العملية أو فشلها إنـّما الأهم من كلّ ذلك أن يـبقى الفريق بنظر مرضاه ، إعلامياً على الأقل ، فريقاً ناجحاً ومتميّزاً . ويجب أن يكون المخطـّط الرئيسي والمشرف على العملية لبقاً حذقاً محترفـاً في جميع فنون الإقناع ، ومدركاً لجميع الطرق التي تصل به إلى الهدف المنشود ، فالغاية عنده تبرّر الوسيلة ، وإذا كان الحساب معدوم والمحاسب مشغول والرقيب مفقود والقضاء معطـّل فعند إذن سيبقى ذلك الفريق الخبيث يفعل كلّ المحرمات ، قبل فعل المباحات ، حتى يـُشبع غروره ويُـلبي أطماعه .
تلك حال معظم شعوبنا العربية مع كل فريق يتصدّر في الواجهة ويقدّم نفسه على أنه مدبّر حلوم الذي وحده يمكنه حلّ جميع مشاكل المجتمع ، و دون الرجوع والاستفادة من خبرات ونصائح غيره من الآخرين ، ممن يتشارك معهم العيش والمصير المشترك . نعم تلك هي مشكلة المشكلات في بلادنا العربية ، مشكلة كبيرة لم تتجرأ أي حكومة على الاعتراف بها والإقرار بحقيقتها .
ومشكلة مجتمعاتنا العربية أنها ابتليت بحكومات نصّّبت من نفسها حكماً على شعوبها وخصماً لها في آنٍ واحدٍ معاً ، من غير إرادة جماهيرية واقعية واسعة ، وجعلت من نتائجها الاقتصادية ، والسياسية أحياناً ، والمخيبة لآمال شعوبها غالباً ، الأضحية التي تتقدّم بها قرباناً للاستمرار والهيمنة ، وادّعت أنّ كلّ هذا التعثـّر في خططها الخمسية سـببه تخلـّف المجتمع ، وسـببه امتداد السيطرة الاستعمارية التي لم تترك حكوماتنا المجتهدة لتعمل بحرية . بينما السـبب هو تواجد أطراف أخرى من المجتمع ، مغـيّبة كلياً عن الساحة ، تنادي بالمشاركة والتشارك لتقديم خبراتها وما عندها لخدمة مجتمعها ، ويظنُّ الفريق الاقتصادي أنّ نداء تلك الأطراف المتخافت أحياناً ، والمستمر منذ عقود ، يعيق حركة تطوّر هذه الحكومات ويوقف مسيرة نجاحاتها المتعدّدة ، ويصرفها عن الهدف الحقـيقي المنشود .
ما أشبه ذلك الفريق الطبي في مشافي المدينة " القاهرة " بحكوماتنا المستعربة ، وما أشبه ذلك المواطن الصعيدي الغلـبان بشعوبنا العاربة ، التي جعلت من المقولة الشهيرة " طنّش تعـش " شعاراً لها وعربتها على طريقتها الخاصّة ، حتى وصلت إلى حدٍّ تعذّر معه العيش ، ولـو بلا كرامة ، ولم تعد ترى الشعوب من الانتعاش والازدهار أيّ منظر أو مشهد ، وحتى في حالة تعاطي أدوية الحلول المؤقـّتة المضادة للاكتئاب أو الهذيان .
وبعد كلّ ذلك الفشل الذريع بالمشاريع الإستراتيجية للحكومات العربية فإنـّها تدّعي أنّ العملية الاقتصادية تنمو بخطى سريعة ، وقد نجحت نجاحاً عظيماً لم تحقـٌقه معظم حكومات دول العالم المتقدّمة ، على الرغم أنّنا نرى الشعـوب العربية تموت من الجوع والذلِّ ، أو تكاد .
لقد وضعت حكوماتنا العربية شعوبها في الزاوية " خانة اليـَك " وحاصرتها تماماً حتى في طعامها وشرابها ، غير المُنعش . ومع كلّ ذلك كانت تدّعي ، وما زالت ، أنها حقـّقت بتفوّق وامتياز جميع الأحلام الوردية والتطلـّعات المستقـبلية لشعوبها العربية ، وأنّ هذه الشعوب تعيش الآن في رغد ورهف وسعادة ، وهناء  وبهاء وصفاء لم تصل لمثل حالتها معظم شعوب العالم ، وخاصة في الدول المتقدمة منها ، وتدّعي باستمرار أنّ نجاحاتها الباهرة في كلّ شيء ستزيد من تلك البحبوحة الواسعة من العيش الرغيد ، حتى لو كانت مظاهر ذلك الرخاء والانبساط ، الناتج عن تلك النجاحات العظيمة ، التي رأيناها وسنراها في المستقبل القريب أو البعيد ، لم تظهر للعيان بعد ، ولم تبدُ لنا بجلاء وصفاء بسبب الغباشة المنسدلة على أعيننا أو بسبب غيمة الصيف التي استمرت عقود طويلة ، لم تظهر لنا بعد ، نحن الشعـوب المتخلفة حتى في رؤيتها ، والبسطاء في كلّ شيء ، وحتى لو لم يستفيد المواطن العربي السخيف من كلّ تلك النجاحات اللامعة والساطعة سطوع الشمس في منتصف الصيف ، وحتى إن لم تظهر تلك النـعم الوفيرة على ذلك المواطن الناكر للمعروف والجميل دائماً ، والذي يطمع بكلّ شيء حتى بعيشه بكرامة .
إذاً : لماذا لا تعترف حكوماتنا العربية بفشلها المتكرّر أمام شعوبها وتظنّ دائماً وبشكل سلبي ظنّ السوء بشعوبها ، وترى أنّ هذه الشعوب مغفـّلة ولا تعرف كيف تسير الأمور من حولها ولا كيف ، أو إلى أين تتـّجه !!.
كلّ ما يريده هذا المواطن المسكين ، الذي سحقته ظروف الحياة الصعبة ، أن يعيش هذا العمر الوحيد الذي وهبه الله تعالى إيّاه  بكرامة مثل جميع شعوب الأرض ،. 
ويريد هذا المواطن البائس من حكومته المتفائلة أن تشركه في مصيره ومصيرها وهمومه اليومية وهمومها الخمسية ، من غير تطنيش واستغفال أو استهتار بحياته ومعيشته .
يريد ذلك المواطن من النائب الاقتصادي أن لا يقول له أنّ اقتصادنا قد نجح وتطوّر ونما نمواً عظيماً ، لكنك أيها المواطن الطمّاع لن ترى شيئاً من تلك الفوائد تعود عليك ، فكلّ ما ربحه النائب ، حسب قوله ، من مؤسسات الدولة الخاملة ، إن كان يوجد ربحاً فعلاً ، محفوظ في الخزينة ولصالح الخزينة فقط ، وعليك أيها المواطن الجشع أن تتدبّر أمورك بأي وسيلة غير أموال الدولة . لذلك أدعـو حكومتنا الموقـّرة إلى الإفراج عن أرباح الأموال العامة التي تدّعيها وإعادة توزيعها على مواطنين من الطبقات الوسطى والمعدومة ، بشكل عادل حسب شرائحهم وحاجاتهم ، وحتى لا ينطبق علينا القول : " العملية – الاقتصادية - نجحت لكن المواطن قد مات - جوعاً " .
يريد المواطن البسيط أن يكونَ هو أول وآخر اهتمامات الحكومة ، فالحكومة في أيّ بلد هي حكومة لكلّ لشعب ، وليست حكومة بعض أفراد الشعب من حيتان رأس المال والاستثمارات ، ويريد أن تعود نتائج الخطط  والإنماء وعائدات الاستثمارات والثروات الطبيعية وأرباح الشركات والمؤسسات العامة والخاصّة لكلّ أفراد الشعب وأن توزّع الحقوق بعدالة ومساواة على الجميع ، سواء على المدى القريب أو البعيد ، مثـلما تـُفرض عليه الواجبات والغرامات .


 دمشق في 20/6/2010م .

                                                                                                       م.أحمد راتب التيناوي
                                                                                                      عضو المكتب السياسي

سورية اليوم

سـورية اليوم

من خلال الأحداث التي تمرّ بها اليوم سورية ، وعلى مدى شهر كامل ، فقد لوحظ انقسام الجمهور السوري ، في الداخل والخارج ، إلى أربعة أطراف متنافسة ، كل منهم يحاول سحب البساط من تحت الآخرين . الطرف الأول وهو الأقوى حتى الآن عسكرياً ومادياً ، وهو النظام بما يحتويه من أدوات ووسائل ، والطرف الثاني : هو قوى المعارضة الخارجية التي تعمل بطرق غريبة وعجيبة وليست أقل من أدوات النظام تخبطاً وغرابة وبشاعة. ولم تكن المعارضة الخارجية بكلّّ مواصفاتها وصفاتها والاتهامات التي وجّهت إليها قادرة على تحريك شاب واحد ضمن سـورية لولا حدوث التغيرات العالمية عامة والتغييرات على الساحة العربية بشكل خاص.
والطرف الثالث : هو قوى الأحزاب الداخلية ذات الأقلية العددية ، والضعيفة مادياً ، وفراغ أغلبهم من المشروع الحضاري الفكري الذي يمكـّنهم من الاستمرار والديمومة ، ولم يُنظر إليهم حتى الآن، من قبل الشعب السوري والنظام ، بجدية وواقعية. وهي مازالت منغمسة في أحلام النظام وتنتظر منه المكرمات والهبات والصدقات .
أما الطرف الرابع : هو قوى الشارع السوري الواسع بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى ، هذه القوى التي خرجت لـتعبّر عن مصالحها وحاجياتها الضرورية ، سواء المعنوية والمادية ، أو السياسية والاقتصادية ، تـُعتبر أوسع القوى المتواجدة حالياً على أرض الواقع ، وتنبع بشكل أساسي من طرفين أساسيين  من الأطراف الثلاثة المتواجدة في الداخل :
أولهما حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يعتبر ضمنياً أن جميع الشباب في سورية هم كوادر في حزب البعث وشبيبته الثورية وطلائعه ، حيث يقوم بتربية هذه الشبيبة منذ نعومة أظفارها على مبادئ ومنطلقات الحزب ، فمثلاً شباب وأهل حوران خاصّة ، والكثير من شباب 15 آذار والسوريين عامة ، كانوا منذ أيام قليلة فقط هم السند الأول للنظام والتكوينة الأساسية له ، حيث كانوا يتفانون في حبـّه وخدمته، وهم يؤلفون التعداد الأكبر في حزب البعث العربي الاشتراكي ، فشباب الانتفاضة إذاً جاؤوا من رحم النظام وكوادره ، وهم من صَنعَ هذه الثورة بشكلها الافتراضي والواقعي على حدّ سواء ، وشباب البعث الأحرار، الذين تربـّوا في حضن البعث ومعتقداته المتقادمة ، هم من يصنع الانتفاضة اليوم ، انتفاضة التحرّر من القيود الصدئة لحزب البعث ، التي كبـّلت الشعب السوري منذ عدّة عقود ، انتفاضة الديمقراطية والكرامة والحرية التي طالما حلموا بها ولم يلمسوا منها أيّ شيء.
ثانيهما : هو كوادر الأحزاب الداخلية ، التي لم تكن على مستوى المسؤوليات أبداً ، ولم تكن في يوم من الأيام إلا تابع للنظام ، لذا نجد أنّ كوادرها اليوم تسير في الانتفاضة خلف الشباب الحرّ ، فقد تخلـّت هذه الكوادر عن قياداتها وانخرطت بقوة في زخم الانتفاضة الشعبية التي بدؤوا يرون فيها كل ما يحلمون به.
إننا نجد اليوم أنّ تعداد هؤلاء شباب 15 آذار يزداد كلـّما ازداد العنف ضدّهم أو مورس الاضطهاد عليهم ، فهم أبناء النظام وكوادره ، ويحق لهم ، كما يرتئون ، أن يعبّروا عن مواقفهم وأحلامهم بشكل ديمقراطي حرّ ، وبموجب ما تنصّ عليه منطلقات أحزابهم التي ينتمون إليها ويعتقدون بعقائدها ، فيزدادون تماسكاً وقوة وإيماناً بأهدافهم التي أعلنوها وآمنوا بها .
إذاً فتزايد أعداد المنتفضين يأتي بكلّ تأكيد من الانشقاق ، الغير معلن ، لأتباع أحزاب الداخل وعلى رأسها حزب البعث ، وتمرّدهم على أسيادهم الذين خلّدوا أنفسهم في مراكزهم وكراسيهم ، الذين لم يحققوا لأتباعهم أيّ هدف من الأهداف التي جاؤوا بها وأعلنوها ، فكانت جميعها مجرد حبر على ورق وغير قابلة للتطبيق ، فالاشتراكية لم يتولّد عنها إلا الرأسمالية الجشعة واحتكار المصالح لعدد محدود من المتسلـّطين ، والحرية لم نرى منها أي شيء ، حيث بقيت الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مقيّدة بحسب المصالح الشخصية الكبرى ، إلى أبعد الحدود ، والوحدة العربية لا زالت حلم غير ممكن التحقيق في ظلّ الأنظمة العربية المتواجدة على الساحة ، حيث أنشئت جامعة الدول العربية لمنع وحدة الوطن العربي بأي شكل من الأشكال ، أما العدالة والمساواة فكانت تداس يومياً بالأحذية والأرجل وتهان بالسياط وتقتل بالبنادق في السجون على مدى الخمسون عاماً الماضية ، بينما الإصلاح والتنمية التي خرجت إلينا منذ عقد من الزمن ، فإن النظام الحالي قد أعلنها صراحة في بداية انطلاقته كبرنامج سياسي واقتصادي ، يحاول الآن بشتى الوسائل التهرّب من استحقاقاتها ومتطلباتها .
وغيرها الكثير من الشعارات الطنـّانة التي تلوّنت بها الأحزاب السورية كأعلامها ، لم تكن سوى كلمات عابرة على ورق أصفر ، ليس لها أي قيمة أو تطبيق على أرض الواقع .
وعندما استشعر الشعب ذلك ، وهو يعلم يقيناً بأنه ليس أقل حضارة ورقيّ من الشعب المصري ، وليس أقل شجاعة واندفاعاً من الشعب الليبي الجريح ، خرج ليحصل على حقوقه كاملة – السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية - غير منقوصة ، خرج بيده الفارغة من السلاح ، وبصدور عارية ، ليصنع انتفاضة شعبية سـلمية على الفساد والمفسدين فقط ، انتفاضة بعيدة عن الخصائص الطائفية أو العرقية أو الإثنية ، معتمداً على رصيده المعنوي والإيماني المتولـّد من حبه لله تعالى وحبـّه لقائده المفدّى الرئيس بشار الأسد ، ورغبته بإبقاء سورية قوية مستقلة.
إنّ الشعب السوري بكلّ ألوانه وأطيافه إنما يمثـّل كتلة واحدة فلا يمكن أن ينشقّ على نفسه ، كما أنّ اعتماد النظام على طائفة واحدة أو حزب واحد قد أوقعه في مشاكل عديدة وفراغ حقيقي ، فالحزب الواحد ينشق الآن من داخله على نفسه لينضمّ معظم أعضاءه إلى الانتفاضة المتفاقمة يوماً بعد يوم ، بينما الاعتماد على الطائفة آخذ بالتآكل نتيجة لتصاعد الأحداث ، فالكثيرين منهم سينفضّون من حول النظام عندما يجدوا أن الفرصة باتت سـانحة لهم، وأنّ ليس لهم إلا أن يتـّحدوا ، كجسد سوري واحد ، مع بقية أطياف الشعب الذي يدوم غالباً مادامت الأرض تدور ، بينما تؤول الأنظمة للزوال وتتبدّل كحالة طبيعة وسـنـّة كونية تنتج عن الطبيعة البشرية التي تتغيّر وتتبدّل مع الزمان والمكان .
إذاً : ما يحدث في سورية لم يكن له أي دوافع خارجية مؤثـّرة تأثيراً حقيقياً ، ولم يكن نتيجة لعملية سياسية داخلية فعلية قادرة على إنتاج هذا الحراك الشعبي العفوي ، بل إنّ ما حدث حتى الآن كان نتيجة لتراكم الأخطاء الكثيرة والمتكرّرة للنظام ، وإغفاله مطالب مشروعة وغضّ البصر عن حيتان المال وذئاب الأعراض ، التي باتت تنتهك كلّ المحرمات وتفعل كل الممنوعات ، وكأنّ هذا الشعب ليس إلا جماعة من عبيد بني إسرائيل يفعل بهم أسيادهم الفراعنة ما يشاؤون بهم .
وقد أخطأ النظام وليس له إلا الاعتراف والتصحيح والإسراع بالإصلاح الكلي بهيكليته الداخلية أولاً.

15/4/2011

م. أحمد راتب علي الـتيناوي

عضو المكتب السياسي

الخميس، مارس 10، 2011

إسرائيل تبحث عن دولة بديلة

إسرائيل تبحث عن بديل لمصر

انطلقت الثورة الشعبية في تونس بصورة عفوية خالصة ، حيث هبَّ الشعب التونسي يدافع عن حريته ومستعيدة كرامة الجماهير وحريتهم منطلقة من الشرارة الأولى التي كان ضحيتها الشاب البوعزيزي الذي أهين في بلده بينما كان يبحث عن لقمة العيش الكريمة ، فانتشرت شرارة التحركات الشعبية العفوية إلى المدن التونسية كانتشار النار في الهشيم ، وسقط النظام المنيع أخيراً.
لقد تغيّرت نظرة الشعوب العربية إلى طـُرق إسقاط رموز الأنظمة لتقرّر بعد ذلك مصيرها وترسم مستقبلها بأيديها، واختيار ممثليها بإرادتها وفق توجهات الجماهير الحرّة التي رفضت الديكتاتورية بأشكالها الملونة لتختار لنفسها نهجاً جديداً يحقق العدالة والحرية والكرامة للمواطن.
هذه الثورة كانت ملهمة لثورات أخرى على رأسها الثورة المصرية ، فهبّ الشعب المصري ليصنع ثورته السلمية الشعبية ويقتلع بها جذور الطاغوت من أرض الوطن، وليكتب تاريخه من جديد ، ثورة أذهلت العالم بأسره من حيث التنظيم والحشد والضغط الشعبي المستمر على النظام، وكان الشباب المصري يحشد قواه بعيداً عن طبقات السياسيين والأهل والمنظـّرين والمحللين ، وعيون النظام التي لا تنام أبداً.
لقد نجحت الثورة الشبابية الشعبية المصرية وتمّ إسقاط النظام بأكمله بأقل الخسائر ، في حين لم يتوقّع أحدٌ نجاحها إلا الشباب المؤمن بقضيته ومستقبله، وحاول أعوان النظامين السابقين ومنظّريهم والمتملـّقين له ركوب الموجة والاستفادة من الوضع الراهن قدر الإمكان، لكن بوعي الشباب المصري وإصرارهم، وتحديد الأهداف بدقـّة، وبثقة عمياء بجيشهم الوطني وعقيدته الراسخة فيه منذ عدّة عقود ، استطاعوا أن يقودوا الثورة بالاتجاه الصحيح الذي يخدم الأمة العربية والإسلامية ، ويمكن أن نقول أنّ الثورة المصرية أعادت لمصر وجهها القومي العربي الحقيقي .
ونرى الآن على الحدود الغربية لمصر ثورة انطلقت بدافع الغيرة والغبطة للنجاح الكبير ، فتلك الغيرة البدوية العربية الأصيلة استنهضت الأشقاء في بلد البطل الكبير عمر المختار، ليبيا بلاد الصحراء الواسعة والثروات الهائلة ، هنالك هبّ الشباب الليبي بشكل عفوي فطري ، على الطريقة البدوية الصافية والرغبة بالخلاص من الطاغية، هبّوا جميعاً بشكل عفوي غير منظـّم مسبقاً ، ليثأروا لتاريخهم العظيم ونضالهم الطويل ضدّ الاستعمار ، الذي ترك لهم قيادة ثورية ديكتاتورية مرتبطة به ارتباطاً وثيقاً، ولإنقاذ ثرواتهم المنهوبة، ولردّ الحقوق والكرامة والحرية والرفاه والتطوير ، ولإعادة الأمل إلى أطفالهم وبناء مستقبلهم المأمول.
شعر الشعبُ الليبي بأنّ كرامته يمكن أن تـُعاد إليه ، كما أُعيدت إلى أشقائه في البلدين المجاورين، فانشـقّ الجـيش الضعيف المهمّش ليف وجهاً إلى وجه مع عصابات المرتزقة التي تحمي النظام الديكتاتوري، ونهض ليستعيد مكانه الطبيعي عوضاً عن المرتزقة الذي تعيث في أرض ليبيا فساداً ونهباً واستهانة بأصحاب الحقوق .
وبذات الوقت انتفضت العديد من الشعوب في كلّ أصقاع الوطن العربي الكبير، في اليمن والبحرين والمملكة السعودية والأردن والجزائر ، وحتى في العراق ، من الشيوخ والشباب، من الأطفال والنساء، الجميع يريد الكرامة والعيش الكريم ، الحرية السياسية والديمقراطية ، التحرّر والتحرير، النمو الاقتصادي والازدهار والإنتاج، وغيرها من المطالب الأساسية والحقوق المشروعة لكلّ شعوب العالم.
لقد تأثـّر الشعب العربي بأكمله من المحيط إلى الخليج ومن الجنوب إلى الشمال بما يحدث ، بل حتى بعض شعوب العالم ، في إيران والصين ، بدأت تقـلـّد ما حدث في مصر وتونس ، الجميع يتحدّث عن حتمية التحرّر من الطغيان، وعن مسار التاريخ وتقلـّباته ، وضرورة الإصلاح والتنمية والوحدة الشاملة. فالجميع يراقب من داخل المنازل ، ويتسـمّر وراء شاشات الفضائيات التي تنقل الخبر اليقين ، هذا الحال لا ينكره إلا متكبـّر أو جحود أو نظام استبدادي ديكتاتوري استفاد من استمراره في سلب حرية الوطن والمواطن .
إنّ الشعوب العربية باتت متيقنة أنّ عدوّها الأول والأخير هو الصهيونية العالمية ودولتها إسرائيل التي من أهم أسباب بقائها وجود نظم ديكتاتورية كبـّلت شعوبها واستنفذت قدراتها ، ولا أعتقد أنه سيوجد إنسان عربي حرّ يقبل وجود إسرائيل على أرضنا العربية ، مهما طال زمن الاحتلال للأرض العربية .
الشعب العربي في كل الوطن العربي يؤمن بهذا الحديث ويعمل به علناً ويمارسه فعلاً ، وقد أظهرت الثورات العربية الشعبية التي تحدثُ الآن هذا المبدأ بجلاء ، وتبدّلت تقاليد اللعبة السياسية العالمية وأساليبها بعد سقوط الأنظمة العربية التي عقدت معاهدات استسلام ( سرية وعلنية ) مثل كامب ديفيد ووادي عربة وغيرها، وهذه الثورات ستدعم بشكل فعّال ومباشر دول المقاومة والممانعة، التي دافعت عن الحقوق وقدّمت التضحيات بشكلٍ أو بآخر.
ولا يخفى على أحد أنّ علاقة إسرائيل مع بعض الدول العربية هي علاقة لتبادل المصالح الاقتصادية والأمنية، وتحقق من خلالها شراكة للهيمنة على الشعوب العربية والثروات، وانهيار هذه الأنظمة سيؤدّي حتماً إلى إنهاء سيطرة إسرائيل وهيمنتها على البلاد العربية وهو ما يشكّل تهديداً حقيقياً لاستمرار دولة إسرائيل الحالية ووجودها .
لقد اعتمدت إسرائيل خلال العقود الماضية على تهميش الشارع العربي وعلى استمرارية الأنظمة الديكتاتورية لإمضاء المعاهدات الخارجية معها من غير استفتاء شعبي يمنحها الشرعية، وفسـْح المجال إلى استشراء الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو ما جعل إسرائيل وبعض الأنظمة المستسلمة تعتقد أن لا آمال واقعية تسمح بعودة الشعوب العربية إلى حاضرها. من أجل ذلك نرى أنّ إسرائيل تسعى بكلّ جهدها إلى دعم الثورات المضادة التي تقودها فلول النظم المنهارة محاولة الحفاظ على استمرارها بقائها وضمان عودتها إلى مراكزها السابقة، بغية إجهاض الثورات الشعبية والالتفاف على مطالبها المشروعة وأهدافها.
إنّ انهيار حكومتي الغنوشي وأحمد شفيق يمثـّل بداية حقيقية لديمقراطية عربية شعبية ، يختار الشعب من خلالها ممثليه الحقيقين، وهذا يعني أنّ مستقبل العلاقة العربية مع إسرائيل أصبح محفوفاً بالمخاطر والزوال ، من أجل ذلك بدأت إسرائيل تبحث عن بديل لمصر وتونس ، وغيرها من الأنظمة التي اعترف أحدها صراحة بالأمس القريب أنّ وجوده هو أمنٌ وأمان لإسرائيل وأعوانها.
لقد فهمت إسرائيل ما حدث وما يمكن أن يحدث أيضاً وبدأت تتهيـّأ للظرف الجديد المحيط ، وتنظر للموقف والمستقبل بعين الريبة ، لذا نجد أنّها قد فضّـلت السكوت عن التصريحات المستفزّة والتي لن تقدّم لها إلا المزيد من العداء والسخط عليها ، والاستعداد للمستقبل، فالتصريح الوحيد الذي نشرته للإعلام هو " أنّ الشرق الأوسط يمرّ بزلزال سياسي وأمني غير محدّد الملامح وأنّ أمن إسرائيل أصبح في خطر" ، تحاول بكلّ إمكاناتها السياسية والأمنية أن تفتح مسارات جديدة للتفاوض السياسي مع دول عربية أخرى ، كانت قد وضع العراقيل أمام التفاوض معها سابقاً ، وتظنّ أنّ هذه مسارات التفاوض مع الدول الجديدة يمكن أن يعوّضها عمـّا يمكن أن تخسره في المستقبل بسبب الثورات العربية الشعبية المستمرّة .
وتسعى إسرائيل من خلال أدواتها الاستعمارية العالمية للعودة إلى مفاوضات السلام المزعوم باستخدام مبدأ الترغيب والوعد والوعيد ، لكنها تناست تماماً أنها هي من كان يرفض الدخول بعملية شاملة وعادلة لتحقيق السلام في المنطقة ، وأنها هي من كان يضع الشروط التعجيزية التي لا يمكن تنفيذها إلا بالاستسلام للأمر الواقع ورفع الأيدي، وهي الآن تتغاضى عن حقيقة الموقف العربي الذي تغيـّر اليوم لصالح العرب جميعاً ، وأنّ موقف سورية قد أصبح أفضل بكثير بعودة مصر وتونس وغيرها من الدول العربية إلى الصف العربي ، وهذا يجعلها أكثر قوّة وأمنع وأصلب بمفاوضاتها المقبلة ، نعم لقد أصبحت سورية اليوم أقدر على تحقيق مطالبها وتحصيل حقوقها من قبل، فها قـد عادت مصر إلى موقعها الطبيعي وكامب ديفيد على وشك السقوط ، لتدعم مشروع المقاومة العربية والإسلامية ضدّ الوجود الأجنبي والاحتلال الصهيوني الإسرائيلي المؤقـّت على أرضنا العربية كافـّة .
لقد عاد حلمُ التحرير إلينا جميعاً وأصبح قريب التحقق والمنال ، وصارت سورية اليوم في موقع من يفرض الشروط على عدوّه ولا يتلقـّاها ، ويطرحها على طاولة التفاوض بالشكل الذي يريد والزمن الذي يرتأيه مناسباً، وبالشروط التي تحقق جميع المصالح القومية والأهداف العليا وتحرير كامل التراب العربي . بينما أصبحت إسرائيل اليوم بموقف الضعيف الذي يستجدي السلام والتهدئة، فهي اليوم تـُحاط بدول مقاومة وممانعة ، تسعى جميعها لتحرير القدس الشريف من رجس الصهيونية العالمية.
إنّ سورية ، قيادة وشعباً، لا ترغب بعملية السلام مع عدوٍّ اغتصب الأرض وسـَفـَك الدماء ، ولم تكن كذلك في يومٍ من الأيام، لولا الظروف الإقليمية والدولية بداية تسعينيات القرن الماضي التي جاءت لمصلحة إسرائيل ، وكان من الحكمة والحنكة السياسية لسورية الدخول بمفاوضات جديّة تعيد الأرض المحتلة أولاً وتحقـق سلام عادل وشامل في المنطقة يؤدّي إلى تنمية اقتصادية واستقرار أمني وسياسي على المستوى المحلي والإقليمي .
وأعتقد أنّ الشعب السوري وقيادته الحكيمة لا يرغبان أصلاً بوجود سفارة إسرائيلية على أرض سورية الطاهرة، أو بمشاهدة علم إسرائيلي يرفرف في سمائها ، أو باستقبال سفير إسرائيلي ليمشي في شوارعها وأزقتها التي لم يمشي عليها إلا الشرفاء من أبناء الوطن المخلصين لها ، حتى لو تحققت عملية السلام وحققت جميع أهدافنا المشروعة. وأظنّ أنّ عملية  السلام المتوقفة أصلاً ، بسبب الشروط الإسرائيلية والدولية الجائرة ، سوف لن تنطلق ثانية ، ولا داعٍ للعودة إليها، في حال تأكـّد سقوط اتفاقيات الاستسلام العربية مع إسرائيل، كامب ديفيد ووادي عربة وغيرها، وزوال الظروف الخاصّة التي أدّت إلى انطلاقها منذ عقدين من الزمن .
لقد تغيّرت الأوضاع العربية والإقليمية، من المحيط إلى الخليج العربي وما بعده ، ومن بحر العرب جنوباً إلى هضبة الأناضول شمالاً ، وأظنّ أنّ قرار هذه المنطقة قد أصبح اليوم بيدها وحدها ، فهي التي ستبدأ وهي التي ستُنهي ما تشاء ، وهي التي ستنهض بشعوبها وتسير بهم نحو الهدف المنشود في الإصلاح والتنمية والوحدة العربية والتحرير الشامل لكلّ الأرض السليبة.
وأخيراً نقول للشعوب العربية جميعاً : لا خير في أمة تُنكر فضل السابقين، تزلـّفاً وقربى للاحقين، أو تنكر فضل اللاحقين تقليداً أعمى للسابقين وشغفاً بهم، وهناك في صدارات الأمم صنفان من الكبار : الذين يكبرون بالقامات العالية التي يحيطون بها أنفسهم ، والذين يحشدون من حولهم الأقزام حتى تبقى الهامات المرتفعة حكراً عليهم دون غيرهم . وفي هذا وذاك فإنّ صناع الأبواق وحملة المباخر يراهنون على ضعف ذاكرة الناس ، فيستمرئون  اللعب بالمقامات ميلاً مع الريح وإرضاءً للهوى ، بالنيل منها تارة ، وحجبها تارة أخرى . وهم ينسون أو يجهلون أن للتاريخ أيضاً ذاكرة لا تـُجامل ولا ترحم ، كما أنهم لا يُدركون أنّ التاريخ لا تكتبه الأبواق الإعلامية المتبجّحة، مهما علا ضجيجها وطنينها، وأنّ المَلـَقَ الذي تبثـّه تلك الأبواق يغدو بمضي الوقت – حين يُصدرُ التاريخ حكمه – شهادة إدانة ضدّها وليس لصالحها .
تلك بديهيات لا يكاد أحدٌ يختلف عليها ، لكننا أصبحنا بحاجة لأن نذكـّر أنفسنا بها وسط الهرج والمرج الذي نعيشه في هذا الزمن الذي شاع فيه النفاق وندر الصدق وشحّت المروءة حتى صار النزيه غريباً والحليم حيران .
8/3/2011م
م .أحمد راتب التيناوي
عضو المكتب السياسي – المكتب الإعلامي